الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
79
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
البعث ، فيكون في معنى قوله تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ * إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ [ الطارق : 5 - 8 ] وقوله : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [ الأنبياء : 104 ] ونحو ذلك من الآيات . ومعنى شَيْءٍ على هذا الوجه : الموجود فغير شيء : المعدوم ، والمعنى : أخلقوا من عدم . ويجوز أن تكون ( من ) للتعليل فيكون الاستفهام المقدر بعد ( أم ) إنكاريا ، ويكون اسم شَيْءٍ صادقا على ما يصلح لمعنى التعليل المستفاد من حرف ( من ) التعليلية ، والمعنى : إنكار أن يكون خلقهم بغير حكمة ، وهذا إثبات أن البعث واقع لأجل الجزاء على الأعمال ، بأن الجزاء مقتضى الحكمة التي لا يخلو عنها فعل أحكم الحكماء ، فيكون في معنى قوله تعالى : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [ المؤمنون : 115 ] وقوله : ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ [ الحجر : 85 ] . ولحرف ( من ) في هذا الكلام الوقع البديع إذ كانت على احتمال معنييها دليلا على إمكان البعث وعلى وقوعه وعلى وجوب وقوعه وجوبا تقتضيه الحكمة الإلهية العليا . ولعل العدول عن صوغ الكلام بالصيغة الغالبة في الاستفهام التقريري ، أعني صيغة النفي بأن يقال : أما خلقوا من غير شيء ؛ والعدول عن تعيين ما أضيف إليه غَيْرِ إلى الإتيان بلفظ مبهم وهو لفظ شيء ، روعي فيه الصلاحية لاحتمال المعنيين وذلك من منتهى البلاغة . وإذ كان فرض أنهم خلقوا من غير شيء واضح البطلان لم يحتج إلى استدلال على إبطاله بقوله : أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ . وهو إضراب انتقال أيضا ، والاستفهام المقدر بعد أَمْ إنكاري ، أي ما هم الخالقون وإذ كانوا لم يدّعوا ذلك فالانكار مرتب على تنزيلهم منزلة من يزعمون أنهم خالقون . وصيغت الجملة في صيغة الحصر الذي طريقه تعريف الجزأين قصرا إضافيا للرد عليهم بتنزيلهم منزلة من يزعم أنهم الخالقون لا اللّه ، لأنهم عدّوا من المحال ما هو خارج عن قدرتهم ، فجعلوه خارجا عن قدرة اللّه ، فالتقدير : أم هم الخالقون لا نحن . والمعنى : نحن الخالقون لا هم .